ابن حجر العسقلاني

441

فتح الباري

النار بمنزلة نار معبودة لقوم يتوجه المصلى إليها وقال ابن التين لا حجة فيه على الترجمة لأنه لم يفعل ذلك مختارا وانما عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراده الله من تنبيه العباد وتعقب بان الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل فدل على أن مثله جائز وتفرقة الإسماعيلي بين القصد وعدمه وإن كانت ظاهرة لكن الجامع بين الترجمة والحديث وجود نار بين المصلى وبين قبلته في الجملة وأحسن من هذا عندي ان يقال لم يفصح المصنف في الترجمة بكراهة ولا غيرها فيحتمل ان يكون مراده التفرقة بين من بقي ذلك بينه وبين قبلته وهو قادر على ازالته أو انحرافه عنه وبين من لا يقدر على ذلك فلا يكره في حق الثاني وهو المطابق لحديثي الباب ويكره في حق الأول كما سيأتي التصريح بذلك عن ابن عباس في التماثيل وكما روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين انه كره الصلاة إلى التنور أو إلى بيت النار ونازعه أيضا من المتأخرين القاضي السروجي في شرح الهداية فقال لا دلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة لأنه صلى الله عليه وسلم قال أريت النار ولا يلزم أن تكون امامه متوجها إليها بل يجوز أن تكون عن يمينه أو عن يساره أو غير ذلك قال ويحتمل ان يكون ذلك وقع له قبل شروعه في الصلاة انتهى وكان البخاري رحمه الله كوشف بهذا الاعتراض فعجل بالجواب عنه حيث صدر الباب بالمعلق عن أنس ففيه عرضت على النار وأنا أصلى وأما كونه رآها امامه فسياق حديث ابن عباس يقتضيه ففيه انهم قالوا له بعد ان انصرف يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت أي تأخرت إلى خلف وفى جوابه ان ذلك بسبب كونه أرى النار وفى حديث أنس المعلق هنا عنده في كتاب التوحيد موصولا لقد عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وانا أصلى وهذا يدفع جواب من فرق بين القريب من المصلى والبعيد * ( قوله باب كراهية الصلاة في المقابر ) استنبط من قوله في الحديث ولا تتخذوها قبورا ان القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة وكأنه أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا الأرض كلها مسجد الا المقبرة والحمام رجاله ثقات لكن اختلف في وصله وارساله وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان ( قوله حدثنا يحيى ) هو القطان وعبيد الله هو ابن عمر العمرى ( قوله من صلاتكم ) قال القرطبي من للتبعيض والمراد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعا إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته ( قلت ) وليس فيه ما ينفى الاحتمال وقد حكى عياض عن بعضهم ان معناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدى بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن وهذا وإن كان محتملا لكن الأول هو الراجح وقد بالغ الشيخ محيي الدين فقال لا يجوز حمله على الفريضة وقد نازع الإسماعيلي المصنف أيضا في هذه الترجمة فقال الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر ( قلت ) قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ لا تجعلوا بيوتكم مقابر وقال ابن التين تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه انما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهى القبور قال فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك ( قلت ) ان أراد انه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلم وان أراد نفى ذلك مطلقا فلا فقد قدمنا